"الدين تخطى واقع كونه عقيدة أو مفهوم... أصبح عبءً على البشرية وعلى سياق تطورها...
لا يمكن لمجتمع يقضي نصف وقته في التفكير بالمسموح والممنوع أن يتطور...
على الشعوب أن تخطئ حتى تدرك الصواب وتتطور..."
Friday, 6 May 2011
أولاً: ماهية النظام الطائفي اللبناني
النظام الطائفي اللبناني هو نظام عنصري يتمثل بسيطرة فئة نافذة سياسياً واقتصادياً على مقاليد السلطة من خلال دستور وقوانين ونظم ومؤسسات اقتصادية واجتماعية وتربوية تكرس بقاءها وتحمي وجودها، ومن خلال أحزاب وقوى وتجمعات طائفية تمثل امتدادها الشعبي حتى تضمن إعادة إنتاج نفسها من خلال الاستحقاقات الانتخابية المحلية والعامة. إن هذه الفئة التي درج على تسميتها "الطبقة السياسية المسيطرة" دائماً ما تعمد إلى التجييش الطائفي حتى تبقي طغيانها سائداً على الطائفة التي تمثل، فتحول من خلال ذلك أنظار الشعب عن مطالبه المحقة إلى صراعات طائفية دائماً ما تتخذ طابعاً مصيرياً. إن هذه الطبقة تنشد ال"لا استقرار" السياسي وتعمد إلى انتهاج سياسات إفقار بحق المواطنين لتؤبد حاجتهم إليها توظيفاً وتعليماً وعيشاً. كما وأنها لم تتورع عن محاصصة وتدمير الجسم النقابي والتعليمي والإنمائي فسخرتها كلها لخدمة مصالحها بشكل حرفها عن تأدية دورها الصحيح في خدمة أبناء الوطن. وهي لا تتورع كذلك عن اجتراح خصم جديد لتجيّش جمهورها ضده إذا ما دعت الحاجة لذلك.
إن هذا التجييش الطائفي أسهم عبر السنين في إنتاج مجتمعات طائفية متناحرة، لها قوانينها الخاصة (الأحوال الشخصية) ومؤسساتها الاقتصادية والتربوية وصولاً إلى العلاقات الخارجية ليتكامل بذلك المشهد مكرساً دويلات طائفية مستوفية معظم شروط قيام الدولة. إن هذا النظام نجح في جعل لبنان يبدو بلداً ديمقراطياً، غير أن الواقع هو عكس ذلك تماماً. فلبنان بلد تحكمه دكتاتوريات طائفية لكل منها أجهزته القمعية ومخابراته وبوليسه الطائفي، تجعل منه أقرب إلى أن يكون بلد الشمولية المتنوعة من أن يكون بلداً ديمقراطياً حقيقياً.
إن هذا النظام يتحمل المسؤولية الكاملةلجميع الأزمات الداخلية التي عصفت بلبنان من ركود اقتصادي وتوتر سياسي واقتتال طائفي وتقهقر اجتماعي على جميع المستويات. وكونه نظام متكامل لا يمكن التحسين فيه ولا من شروط التعايش معه، وكل محاولة تهدف لتحسين الواقع الاقتصادي أو السياسي أو الاجتماعي من خلال تحركات مطلبية أو إصلاحية دائماً ما تصطدم بالتسييس الطائفي فتضمحل وتتلاشى. وبالتالي فإن الحل الوحيد هو إسقاط هذا النظام وجميع رموزه وبناء دولة مدنية علمانية ديمقراطية.
ج: لأن جميع أزمات لبنان من حروب وويلات، من قتل ودمار، من هجرة وتهجير، من فقر وفقدان لأبسط مقومات العيش، سببها النظام الطائفي اللبناني، وفي أحسن الأحوال يقف عائقًا أمام تجاوز هذه الأزمات. فكل محاولة شعبية للانتفاض ضد الواقع المعيشي أو الأمني أو الاجتماعي تصطدم بالتسييس الطائفي فتذهب أدراج الرياح. إن هذا النظام المقيت أثبت بما لا يدعو للشك وجوب إسقاطه لأنه فشل في تعميم الأمان والاستقرار والرخاء للمواطنين.
س2.لماذا إسقاط رموز النظام الطائفي؟
ج: أولاً، لأن هذه الرموز أخذت فرصتها للتغيير من خلال تطبيق الدستور، لكنها أمعنت في الوطن فسادًا وتوتيرًا وشرذمة، فإذا اختلفت دمرت الوطن وإذا اتفقت سرقته.
ثانيًا، لأن معظم هذه الرموز امتداد لوراثة السياسية منذ الاستقلال حتى اليوم. فحكم هذه الطبقة السياسية ما زال مستمرًا متحكمًا بمقدرات الوطن وقرار الشعب.
ثالثًا، لأن إسقاط النظام لا يكتمل إلا بإسقاط جميع رموزه وأدواته حتى لا تعيد إنتاج حالات مشابهة في المستقبل، وحتى تحاسب على ما جنته بحق الوطن.
س3.لماذا العلمانية؟
ج: أولاً، لأن لا إلغاء للطائفية بلا علمانية. فإلغاء الطائفية بلا علمانية يعني حالة طائفية جديدة يحكمها ال"لا توازن" الطائفي عوض "التوازن الطائفي" الذي حرص النظام الطائفي على تسليح ثقافته وأدبياته به. إذن، إلغاء الطائفية السياسية رجوع إلى الوراء إذا لم يقترن بالعلمانية... ونظام المحاصصة الطائفية الحالي أكثر تقدمًا من إلغاء الطائفية وحدها بلا علمانية!
ثانيًا، لأن لا وسيلة لمحو الطائفية من النفوس إلا من خلال العلمانية، وإلا أصبح ذلك ضربًا من المثالية.
ثالثًا، لأن لا سبيل لحفظ التنوع وحماية الأقليات الثقافية إلا من خلال العلمانية.
"العلمانية تحمي الأديان من مرض الطائفية، فالطائفية خطر على الأديان!
العلمانية هي أن تنتمي لطائفتك من خلال الوطن، لا لوطنك من خلال الطائفة!
العلمانية هي فن العيش وعلم المشاركة، لا هم التعايش وإشكالية الإنصهار!
العلمانية هي أن تعلم بأن مصلحة طائفتك من مصلحة وطنك، والعكس ليس صحيحًا!
العلمانية هي أن نتساوى جميعنا أمام القانون، وأن نتساوى جميعنا في الوطن!
العلمانية هي لممارسة حقك بالاختلاف عن غيرك بدلاً من الخلاف مع غيرك..."
س4.ماذا عن مخاوف الأقليات؟
ج: أولاً، النظام الطائفي أثبت فشله في حماية الأقليات، وعرضها للدمار والهجرة والتهجير والقتل.
ثانيًا، ماذا عندما يختل التوازن الطائفي بشكل أكبر؟ إلى أين تذهب الأقليات؟ أإلى الهجرة؟ أم إلى حرب إستقلالية؟ أم إلى الخضوع لإرادة الأكثريات الطائفية؟
الحل إذن بارتقاء المجتمع والدولة إلى مستوى يستوعب التنوع الثقافي، إلى دولة المواطنة، إلى الدولة العلمانية الديمقراطية.
س5.ماذا عن الصراع السياسي الطائفي الحالي؟
ج: إن انتفاضتنا أبعد من الصراع الطائفي، الذي وإن بدا مصيريًا، غير أن أطرافه المتصارعة تشكل حالة واحدة تقوى ببعضها حتى تستمر، وبالتالي فهي بحاجة إلى بعضها، وبحاجة دائمة إلى اختلاق خصم تجيش الناس ضده.
وانتفاضتنا لا تريد من القوى الطائفية إلا أن تعيد جمهورها للوطن. لا تدعو المواطن ضد زعيم الطائفة الأخرى، بل تدعوه للتحرر من قيده الطائفي، من زعيمه الطائفي، والالتحاق بصفوفها ليجد بجانبه مواطنًا من طائفة مختلفة، يشاركه كلّ شؤونه وشجونه، وقد كان حتى ماض قريب يظن زعيم طائفته أقرب له منه.
س6.ما هي نقاط قوة النظام الطائفي والأساليب التي يعتمدها؟
ج: يعمد النظام الطائفي إلى استخدام عدة أساليب للحفاظ على وجوده: 1. التخويف بالآخر: فالمواطن الخاضع لإرادة القوى الطائفية يخاف الآخر، ويلتزم بطائفته ومن يدعي تمثيلها مخافة أن تقوى عليها الطائفة الأخرى. لكنه يغفل عن واقع أن هذه القوى تقوى ببعضها، وإن إضعاف التكتل الطائفي النقيض يبدأ بإضعاف التكتل الطائفي الذي ينتمي إليه، فالتعصب يجر التعصب، والقوة تجر القوة، وهذه القوى الطائفية، كل القوى الطائفية، لا تضعف إلا بقوة الشعب، نقيضها الحقيقي، من خلال تحرره من قيودها وارتقاؤه إلى المجتمع العلماني الديمقراطي.
2. إفقار الناس: أولاً حتى لا يرقى وعيهم في خضم انشغالهم بشؤون العيش، إلى لحظ ألاعيب السيساسيين الطائفيين وتآمرهم على الشعب. وثانيًا حتى يبقى الناس بحاجة لهم في الوظائف والمال في ظل المحاصصة الطائفية.
3. التوتير والحقن الطائفي: فالقوى الطائفية تنمو على ضعف الناس وشعورهم بالخوف وعدم الأمان. فلا عجب أن القوى الطائفية لا تأبه باستقرار الوطن، مهما ادعت أنها تسعى إليه. فاستقرار الوطن ورخائه يرتب ابتعادًا عنها فتفقد قدرة التجييش الشعبوي.
4. ترسيخ قناعات انهزامية تكرس خنوع الشعب لإرادة أمراء الطوائف ونظامهم، كاستحالة التغيير والتسليم بواقع لبنان مثلاً، أو الخوف على الصيغة اللبنانية، أو الخوف على الديمقراطية اللبنانية. والواقع أن لبنان بلد نظام الدكتاتوريات الطائفية التي تظهره وطنًا ديمقراطيًا، غير أنه أذكى أنواع الدكتاتورية. بلد الشمولية المتنوعة!
أما الإجراءات التي يعمد إليها النظام الطائفي ورموزه وأدواته لاحتواء انتفاضتنا وضربها...
1. تسييس الانتفاضة، وتلفيق التهم بانتمائها إلى أحد المعسكرين الطائفيين، وفي ذلك شهادة "طهر" وصك براءة واعتراف ضمني
بانتمائها للشعب ولا أحد غير الشعب.
2. تبني الانتفاضة لتحوير عنوانها. فهذه انتفاضة ضد رموز النظام الطائفي، كل رموزه. وهي ليست حركة تطالب بإلغاء الطائفية السياسية! فإلغاء الطائفية السياسية نتيجة طبيعية للعلمانية، والعكس ليس صحيحًا! فمطلب إلغاء الطائفية السياسية وحده بلا
علمنة الدولة وبلا إسقاط رموز النظام هو مطلب طائفي لقوى الطائفية.
3. محاولة الضغط لحصر الانتفاضة بشعارات مطلبية. فالقوى الطائفية تدرك أن القضايا المطلبية وإن قدرت على تجييش الآلاف، لكنها في النهاية ستصطدم بجدار التطييف والتسييس لتمرّ مرّ السحاب...
4. تعميم أمثلة حول علمانية فرنسا أو تركيا لتخويف المتدينين من الناس من العلمانية. ففي حين أن المبالغة بالتعميم هي سمة من سمات أدبيات القوى الطائفية، غير أن العلمانية التي تسعى انتفاضتنا لتطبيقها في لبنان هي علمانية تحمي التنوع الثقافي اللبناني ولا تسعى لتدميره.